عينك على الأحداث

 في غياهب التشرد..( قصة قصيرة) 

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

- الإعلانات -

 في غياهب التشرد..( قصة قصيرة)

- الإعلانات -

الكاتب/ محمد مسعد العامري 

كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة ليلًا حين غادر أحمد المنزل، بلا وجهة خرج والأفكار السوداوية تسيطر على تفكيره،! لا حيلة له سوى الركض في طرقات المدينة ، يركل كل  شيء يقابله، حائط مبنى حكومي، عامود إنارة ، علبة ماء ملقاة في الشارع، ماكينة الصراف الآلي، الطريق الأسفلتي المؤدي إلى مقبرة المدينة… 

كل شيء أصبح عنده ممقوتا ويركله ككرة قدم..

استمرت حالته تلك حتى أصابه الإعياء، افترش الرصيف واستلقى عليه ملقياً كل همومه، وأحزانه، ومشاكله  تحت كرتون صغير، ورأسه توسد الأرض.

فجأة بدأت الأمطار تهطل على المدينة، بعد أن كانت الصواعق تنذر بذلك، دون أن ينتبه؛ فقد أخرجه فكره المشغول عن طور الحياة، فلم يعد يشعر بشيء البتَّة!.

_أحمد : يا إلهي  إلى أين أذهب في هذه الساعة المتأخرة،! أصبح المطر في تزايد وقطراته في ازدحام كازدحامي..

منزلنا صار بعيدًا جداً

ليتني لم أغادر المنزل!

وبينما هو يندب حظه العاثر، إذ  رأى نارًا تبعد قليلاً عن وسط المدينة ،

توجه أحمد نحوها

ولم يكد يصل إليها، حتى استقبله شابان كان يظهر على وجهيهما أثر التعاسة، والحزن، والكآبة _ كانا يجلسان تحت مخيم صغير  تختلط فيه حرارة النار مع برودة المطر_ بعد توجهه نحوهما،

ألقى التحية على الشابين ، فردا عليه بمثلها وطلبا منه الجلوس معهما، جلس أحمد بجوار باب الخيمة الصغيرة_ التي بالكاد تتسع لشخصين في أحسن الأحوال_،  وبدأ يتبادل الحديث مع هذين الشابين.

سأله أحدهما عن اسمه؟ وما الذي أخرجه في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟

أجابه أحمد …

  وبدأ يسرد له كافة التفاصيل التي يعاني منها  دون شعور وكأنهم رفقة على مدى ألف عام !!!

_

 اسمي أحمد،  أقطن في منزل صغير في مدخل المدينة بجوار مدرسة المدينة القديمة ، أدرس في السنة الجامعية الثانية؛

لكنني توقفت عن الدراسة العام الماضي بعد أن أصيب والدي بجلطة في الدماغ، حينما علم أن أخي بدرًا  غرق في البحر أثناء عبوره كلاجئ إلى بلاد الغرب،

فأصبحت أتكفل بوالديّ وإخوتي الصغار،

تركت دراستي  وصرت أعمل طيلة اليوم كي أوفر احتياجات أسرتي  وأجمع ما تبقى لعلاج والدي،

 لم يكد يكمل أحمد  بث همومه وأحزانه  لصديقيه الجديدين

عن معاناته،  والتشرد، والخيبة

حتى انهمرت عيناهما بالدموع  وكأنه قدر لهما بأن البكاء هو الملجأ الأخير لمعاناتهما المستمرة.

في المقابل سأل أحمد صديقيه  عن قصتيهما، وما الذي يفعلانه؟

أخبره أحدهما_ الذي عرف فيما بعد أن اسمه( لؤي) _

بأن والديه  توفيا وهو لا يزال صغيرًا، ثم تكفل عمه برعايته، وتعليمه، وتربيته.

وماهي إلا سنوات قليلة؛ حتى وجد  لؤي نفسه مرمياً في الشارع  بعد أن تلقى خبر وفاة عمه وكافة أسرته بحادث مروري مروع  على طريق القرية  شديدة الوعورة

لم يجد لؤي بديلاً سوى التمرد على قوانين الحياة ..

ومخالفة مجتمع يرى فيه عيباً أنه يعيش وحيداً !

دون أن يكلف أحد نفسه مشقة سؤاله عن السبب في ذلك وأن يمد له يد العون، والمساعدة ..

مجتمع أصبح يرى في الفقر، والتشرد عيبًا كبيرًا، أو جريمة اجتماعية لا تغتفر،  مجتمع يرى بعين الذباب دائمًا. لا تبصر عيناه سوى الأشياء القاتمة، ولا تحمل أفكاره غير الأفكار السوداوية.

أما أسامة فلم تكن قصته أفضل من صديقيه ؛ فأمّه توفيت أثناء ولادتها إياه، فنشأ مبتور الحنان، صلب المشاعر، أما والده فلم يعلم أحد عنه شيئًا بعد أن ذهب للغربة مذ كان أسامة في الخامسة من عمره، والده الذي أصبح في عالم من التناقضات أحيٌ هو أم ميت، وإن كان حيًا كيف لرجل في القرن الواحد والعشرين  أن يختفي عن الأنظار والأسماع؟!

- الإعلانات -

وكأنه في أحد قرون العصر الحجري المظلمة،

أصبح أسامة بلا هوية عائلية  لا أم، ولا أب، ولا إخوان

وبعد أن عرف  كل صديق تفاصيل صديقه ، خيم عليهم صمت كبير، صمت بحجم الكون مشوب بالوجوم !

وكأن نار المدفأة أصبحت مرآة لاسترداد الماضي فلا تكاد تنظر إلى أحدهم حتى تجده مشرئبا عنقه نحوها وكأنها المسؤول الأول عن كل ما حدث، ويحدث لهم

وماهي إلا دقائق معدودة حتى توقف هطول الأمطار.

ويبدأ نور الفجر بالبزوغ شيئًا فشيئًا.

هم أحمد بمغادرة المكان،  ومفارقة صديقيه ، لكن صوتًا ما في داخله  أيقظه من سباته،

تذكر أنه غادر المنزل في الليلة الماضية لإحضار بعض الدواء لشقيقته الصغيرة، التي كانت تعاني من ارتفاع درجة الحرارة.

جن جنون أحمد، وذهب مسرعًا نحو المنزل، تبعه لؤي، وأسامة، دون أن يعرفا ما الذي حل بصديقهما

لؤي : انتظر يا أحمد، أخبرنا ما الذي جرى يا صديقي

أحمد تجاهل نداء لؤي ، واستمر في هرولته نحو المنزل

 أسامة :  يا أحمد هلا أخبرتنا ماذا بك علّنا نساعدك

أجاب أحمد بصوت متحشرج بعد أن لفت إليهما التفاتة سريعة، سأعاود زيارتكما لاحقًا يا صديقيّ، ابقيا بانتظاري

عاد لؤي أدراجه  وأسامة معه ، وكانت وجهتهما مأواهما الوحيد؛  تلك الخيمة الصغيرة في أطراف المدينة.

أما أحمد فما هي إلا دقائق معدودة  حتى وصل المنزل

لم يجد أحدا فيه!

 سوى قطة أخته مريم التي أصبحت حزينة كئيبة  لما حصل لمريم،  وكأن مريم  كانت ملاذها الوحيد في هذه الحياة

خرج أحمد من المنزل شارد الذهن، كخروجه الليلة البارحة ، سأل جيرانه عن أسرته وأين ذهبوا

أجابته الخالة أم أيمن عما حدث لأخته مريم، وأنهم توجهوا بها إلى مستشفى المدينة الحكومي، المتهالك

وصل أحمد إلى المستشفى، وجد والده المعاق، منتظرًا في صالة الانتظار  كبقية الواقفين في هذا الممر الضيق، شديد الكآبة،  وكأنه لا توجد حقوق لذوي الاحتياجات الخاصة في هذه البقعة من الأرض. أما والدة أحمد فقد كانت بمرافقة ابنتها  في غرفة الطوارئ

توجه أحمد نحو تلك الغرفة المظلمة، حيث تلتقي الأرواح

التي على وشك الرحيل،

نقل أحمد نظره بين الأجساد المتهالكة ، فوجد أمه قد توسد خدها يد ابنتها ، توجه نحوهما  وقدماه لا تكادا تحملانه

قبل رأس أمه وخدها، ثم انكب على أخته المغمى عليها  بوابل من القبل  وعيناه تذرفان الدموع بغزارة

_ أنا السبب يا أخية ، لم أكن على قدر المسؤولية، أرجوكِ سامحيني، لا تتركينا يا مريم

أخذته أمه إلى خارج غرفة الطوارئ ، مستوصية إياه بالثبات ورباطة الجأش

_ يا بني لم أعهدك إلا شخصًا قويًا، مقدامًا، ثق بالله يا بني، فالشفاء بيد الله، وستكون أختك بخير إن شاء الله

فقط ادعُ الله لها بالشفاء،

_ ولكن لماذا ؟ لماذا! يا أمي قدّر لنا كل هذه المعاناة، وهذه الآلام ؟

لماذا أصبحت حياتنا، أحزانًا  تتبعها أحزان؟، وآلامًا تتبعها آلام ؟، متى سنجد طعم السعادة!؟

 متى سنعيش حياتنا  كأناس  لنا حقوقنا، وأحلامنا، وطموحاتنا؟

_ فجأة! شهقت الأم  بلا شعور   شقهة  كادت أن تفقدها  وعيها.

وانطلقت تركض  نحو  غرفة الطوارئ

  أحمد مسرعًا خلفها فزعًا مذعورًا

فاطمة كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة.

- الإعلانات -

قد يعجبك ايضا
23 تعليقات
  1. Ikaria Lean Belly Juice review يقول

    Hello there, You’ve done a great job. I will definitely digg it and personally suggest to my friends. I’m confident they will be benefited from this website.

  2. Javaburn يقول

    It’s truly a great and useful piece of info. I am happy that you simply shared this helpful information with us. Please stay us up to date like this. Thanks for sharing.

  3. alpha tonic يقول

    Having read this I thought it was very informative. I appreciate you taking the time and effort to put this article together. I once again find myself spending way to much time both reading and commenting. But so what, it was still worth it!

  4. Java Burn يقول

    Appreciate it for helping out, wonderful info .

  5. Java Burn يقول

    What’s Going down i’m new to this, I stumbled upon this I have found It absolutely helpful and it has aided me out loads. I hope to contribute & assist other users like its helped me. Great job.

  6. Prodentim Review يقول

    Hello, i read your blog from time to time and i own a similar one and i was just wondering if you get a lot of spam feedback? If so how do you reduce it, any plugin or anything you can suggest? I get so much lately it’s driving me mad so any assistance is very much appreciated.

  7. tonic greens يقول

    I’ve been surfing on-line greater than three hours lately, but I never found any interesting article like yours. It?¦s lovely value sufficient for me. In my view, if all site owners and bloggers made excellent content as you did, the web will likely be a lot more helpful than ever before.

  8. Neotonics يقول

    I have been exploring for a bit for any high-quality articles or weblog posts on this sort of space . Exploring in Yahoo I eventually stumbled upon this web site. Studying this info So i am happy to show that I have a very just right uncanny feeling I discovered exactly what I needed. I most surely will make sure to do not omit this site and give it a glance regularly.

  9. Sugar defender drops reviews يقول

    you are really a good webmaster. The site loading speed is incredible. It seems that you’re doing any unique trick. Also, The contents are masterwork. you’ve done a excellent job on this topic!

  10. sumatra tonic يقول

    What Is Sumatra Slim Belly Tonic? Sumatra Slim Belly Tonic is a natural formula that supports healthy weight loss.

  11. nanodefense pro يقول

    Wow! Thank you! I always wanted to write on my blog something like that. Can I implement a part of your post to my site?

  12. Lottery defeater review يقول

    It¦s really a great and helpful piece of information. I¦m satisfied that you just shared this helpful info with us. Please keep us up to date like this. Thanks for sharing.

  13. balmorex pro review يقول

    Heya! I’m at work surfing around your blog from my new iphone! Just wanted to say I love reading your blog and look forward to all your posts! Carry on the excellent work!

  14. hire a cell phone hacker يقول

    Thank you, I have recently been looking for information about this topic for ages and yours is the best I have came upon till now. However, what concerning the conclusion? Are you sure concerning the supply?

  15. hire a hacker reviews يقول

    I beloved up to you will receive carried out proper here. The sketch is attractive, your authored subject matter stylish. nonetheless, you command get got an shakiness over that you would like be handing over the following. sick indubitably come more until now again as precisely the similar just about very steadily within case you defend this increase.

  16. hire a hacker pro يقول

    What’s Happening i am new to this, I stumbled upon this I have found It positively helpful and it has aided me out loads. I’m hoping to contribute & aid other users like its helped me. Great job.

  17. fitspresso review يقول

    I really appreciate this post. I’ve been looking all over for this! Thank goodness I found it on Bing. You’ve made my day! Thanks again!

  18. Sugar defender يقول

    I do accept as true with all of the ideas you’ve offered for your post. They’re really convincing and can definitely work. Still, the posts are too quick for novices. May just you please extend them a bit from next time? Thanks for the post.

  19. hire a hacker uk يقول

    Hi, I think your site might be having browser compatibility issues. When I look at your website in Safari, it looks fine but when opening in Internet Explorer, it has some overlapping. I just wanted to give you a quick heads up! Other then that, fantastic blog!

  20. provadent يقول

    ProvaDent: What Is It? ProvaDent is a natural tooth health supplement by Adam Naturals.

  21. Sight Care يقول

    Have you ever considered creating an ebook or guest authoring on other websites? I have a blog based on the same information you discuss and would love to have you share some stories/information. I know my visitors would appreciate your work. If you are even remotely interested, feel free to shoot me an e mail.

  22. hire a hacker for social media يقول

    You can certainly see your enthusiasm in the work you write. The world hopes for even more passionate writers like you who aren’t afraid to say how they believe. Always go after your heart.

  23. Liv Pure يقول

    Good day! This post couldn’t be written any better! Reading this post reminds me of my good old room mate! He always kept chatting about this. I will forward this page to him. Fairly certain he will have a good read. Thanks for sharing!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.